30/05/2026
في صباحٍ يسبق عيد الأضحى بيومين، كانت رائحة التوابل تعبق في أرجاء البيت العتيق، ذاك البيت الذي ظلّ لعقود يجمع أبناء العائلة مهما تفرّقوا، وكأن جدرانه تحفظ أسماءهم وهمساتهم وضحكات طفولتهم.
كانت أمّ رشيد، الحماة التي تجاوز عمرها الستين بقليل، تتحرك بخفة امرأة أصغر منها بعشرين سنة، رغم آلام ركبتيها التي كانت تخفيها بابتسامة هادئة.
منذ الفجر، استيقظت قبل الجميع. توضأت، صلت، ثم جلست قليلًا تدعو الله أن يمرّ العيد على أبنائها وأحفادها بالخير والستر والطمأنينة. لم تكن تدعو لنفسها كثيرًا، فقد اعتادت أن تضع نفسها دائمًا في آخر القائمة.
دخلت المطبخ وأشعلت النار تحت قدرٍ كبير، ثم بدأت تُحضّر التوابل، ترتّب الصحون، وتراجع في ذهنها قائمة طويلة مما يجب فعله.
كانت تعرف أن ابنتها المتزوجة ستأتي مع أطفالها، وأن ابنها الأوسط يمرّ بضائقة مالية لكنه يخفي ذلك، وأن زوجة ابنها الجديد ما زالت خجولة ولم تعتد بعد على أجواء العائلة.
ورغم كل هذا، لم يكن أحد يعلم أن أمّ رشيد نفسها كانت متعبة جدًا.
قبل أسبوع فقط، باعت خاتمًا قديمًا احتفظت به منذ شبابها، حتى تتمكن من شراء ملابس العيد لأحفادها دون أن يشعر أحد بالنقص.
حين سألتها جارتها:
— “علاش بعتيه؟ هذاك ذهبك وذكرياتك.”
ابتسمت وقالت بهدوء:
— “الذهب الحقيقي هو فرحة الصغار كي يلبسوا الجديد ويضحكوا.”
لم تكن تبحث عن الشكر.
بل كانت تخاف فقط أن ينكسر خاطر أحد.
في المساء، دخلت زوجة ابنها “ريم” إلى المطبخ، فوجدتها تقف منذ ساعات.
قالت بخجل:
— “ماما، خليني نعاونك.”
ردّت أمّ رشيد وهي تمسح العرق عن جبينها:
— “روحي ارتاحي يا بنتي، العيد موش بالخدمة برك… العيد إنك تكوني مرتاحة وفرحانة.”
كانت تعامل زوجات أبنائها كأنهن بناتها فعلًا، لا بالكلام فقط، بل بالتفاصيل الصغيرة.
تعرف من تحب القهوة الثقيلة، ومن تتعب بسرعة، ومن تخجل أن تطلب شيئًا.
وإذا حدث سوء فهم بسيط داخل البيت، كانت أول من يطفئه قبل أن يكبر.
كانت تؤمن أن البيت لا يحميه المال، بل الرحمة.
وفي صباح العيد، امتلأ المنزل بالحركة والضحكات.
الأطفال يركضون في كل مكان، الرجال منشغلون بالأضحية، والنساء بين المطبخ والترتيب وتبادل التهاني.
أما أمّ رشيد، فكانت كعادتها تتحرك بين الجميع كشمعة تضيء بصمت.
مرة تحمل طفلًا يبكي، ومرة تضع الطعام لهذا، وتزيد قطعة لحم لذاك، وتسأل الثالثة إن كانت قد تناولت فطورها.
حتى وهي متعبة، لم تجلس.
لاحظت ريم أن حماتها لم تأكل شيئًا منذ الصباح.
اقتربت منها وقالت:
— “ماما، اجلسي شويّة، والله تعبتي.”
ضحكت أمّ رشيد وقالت:
— “كي نشوفكم فرحانين، التعب يولي راحة.”
تلك الجملة بقيت عالقة في قلب ريم طويلًا.
بعد الغداء، اجتمع الجميع في الصالون.
كانت الضحكات تعلو، والأطفال يفتحون العيديات بفرح، بينما جلست أمّ رشيد قليلًا في زاوية هادئة تراقبهم.
تأملت أبناءها…
تذكرت كيف كانت تسهر الليالي حين يمرض أحدهم، وكيف كانت تخيط الملابس بيديها حين لم يكن المال يكفي، وكيف كانت تخفي دموعها حتى لا يشعروا بالخوف.
تذكرت سنوات كاملة من التضحية…
سنوات لم يصفق لها فيها أحد، ولم يكتب عنها أحد، لكنها كانت تبني بها عائلة كاملة.
اقترب منها ابنها الأكبر، وجلس قربها وقال:
— “يمّا… تعرفي؟ مهما كبرنا، يبقى العيد ريحتو فيك إنتِ.”
ابتسمت وعيناها امتلأتا بالدموع.
ثم جاءت حفيدتها الصغيرة وجلست في حضنها وقالت بعفوية:
— “جدتي، علاش إنتِ ديما تعطينا وما تطلبيش حاجة؟”
سكتت أمّ رشيد للحظة…
ثم ضمّت الصغيرة إلى صدرها وقالت:
— “الناس اللي تحب بصدق… ترتاح كي تعطي.”
في تلك اللحظة، شعر الجميع بشيء يشبه الصحوة.
أدركوا أن هذه المرأة لم تكن فقط حماة أو أمًا أو جدة…
بل كانت قلب البيت الحقيقي.
وفي المساء، بعدما غادر أغلب الضيوف، دخلت ريم إلى المطبخ فوجدت حماتها ترتّب الصحون وحدها كعادتها.
أمسكت يدها هذه المرة ومنعتها من العمل وقالت بتأثر:
— “اليوم دورنا إحنا نهتمّوا بيك.”
تفاجأت أمّ رشيد، فقد اعتادت أن تكون هي من يعطي دائمًا.
دخلت بقية النساء يساعدنها، ثم جاء الأبناء يحملون الأغراض، والأحفاد يلتفون حولها.
لأول مرة منذ سنوات، جلست دون أن تنهض كل دقيقة.
كانت تنظر إليهم بصمت…
والسعادة في عينيها أكبر من أي هدية.
لم تكن تريد قصورًا، ولا مجوهرات، ولا كلمات مبالغًا فيها.
كل ما كانت تريده أن يبقى هذا البيت مليئًا بالمحبة.
وفي تلك الليلة، بعدما نام الجميع، جلست قرب النافذة تنظر إلى السماء.
كان القمر مكتملًا، والهدوء يملأ المكان.
ابتسمت وهي تسمع بقايا ضحكات أحفادها من الداخل، ثم همست لنفسها:
“الحمد لله… هذا هو عيدي الحقيقي.”
فهناك نساء لا يُكتب عنهن كثيرًا…
لكنهن يحملن فوق أكتافهن راحة عائلات كاملة.
نساء يقدمن الحب دون حساب، ويتعبن بصمت، ويخفين أوجاعهن حتى لا ينطفئ نور البيت.
وحين تكون الحماة طيبة القلب، حنونة، رحيمة، لا ترى في زوجة ابنها منافسة بل ابنة جديدة…
فإنها لا تبني بيتًا فقط، بل تبني وطنًا صغيرًا اسمه العائلة.