01/05/2026
الإنسان لا يعترف بالعقل والمنطق اللذين يطرحهما غيره إلا عندما يتوافقان مع عواطفه. فلن تستطيع أن تؤثر في قناعة إنسان أو تغيّرها، مهما امتلكت من حجة، إلا من خلال مداراة عواطفه.
المشكلة ليست في ذكاء الإنسان، أو أنه لا يستطيع التمييز بين الصواب والخطأ، أو الخير والشر، بل في أن العواطف أعمق وأكثر رسوخاً تاريخياً.
جزء كبير من أدمغة أسلافنا اعتاد، خصوصاً من الناحية الاجتماعية، على أن يُحلل بناءً على مشاعر مثل الخوف والمنافسة والحاجة إلى القبول الاجتماعي.
في الماضي السحيق، كانت العواطف أكثر أهمية من التحليل المنطقي المحض عندما يتعلق الأمر بالبقاء. فعلى سبيل المثال، كان تمييز عدوٍ يتربص بك بصورةٍ آنية، وصدّ خطره، أكثر أهمية بكثير من قدرتك العقلية على بناء قاربٍ يساعدك على عبور النهر؛ فغضّ البصر عن الأولى قد يعني الموت، أما الحالة الثانية فيمكن تأجيلها دون أن يؤثر ذلك على استمرارية بقائك.
لم يستطع التنوير منذ بدايته، وما رافقه من ثورة عقلانية وتعليمية، أن يتسيّد على عواطف البشر. بل إن العقلانية، في الحقيقة، استُخدمت تاريخياً، وبمختلف أصنافها وتطبيقاتها المعرفية، لتلائم توجهاتٍ مختلفة وتساعدها على الازدهار، ولتتطابق مع عواطف وأمزجة أتباعها، لا العكس.
بعبارةٍ أخرى، كان التنوير، في كثيرٍ من الأحيان، عاطفةً تحتمي خلف جدار الحكمة والعقلانية لردع أي مقاومةٍ محتملةٍ أو حجةٍ معاكسةٍ تجاهه. وهذا كان، وما يزال، دليلاً واضحاً على أسبقية العاطفة على المنطق، وسمو الغريزة على الوعي.
سترى الكثير من الناس منحازين لعواطفهم، حتى وإن كان ذلك بصورةٍ متناقضة، أو بعبارةٍ أوضح، حتى وإن كانت هذه العواطف ضارة، سواء لهم أو لغيرهم؛ لأن دماغ الإنسان صُمِم على البقاء والنجاة بهذه الطريقة، بغض النظر عن جودة العواطف التي يحملها.
لذلك، قلّما تستطيع تغيير قناعة إنسان بسلاح العقلانية والمنطق وحدهما؛ لأنه، في نهاية المطاف، من النادر أن يستمع إلى شيء لا يتوافق مع عواطفه. بل، على الأغلب، قد يفسّر عقلانيتك ومنطقك على أنهما تلاعب، أو حتى عداوة، غرضهما الازدهار على حساب بقائه.